| بقلم رئيس التحرير د. ماريان تادرس |
أزمة الإعلام الأعمى: لماذا يختل الخطاب المصري في أزمة الخليج مع إيران؟
بقلم د. ماريان تادرس - عضو وكالة الصحافة الأمريكية
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل التهديدات، يبرز دور الإعلام كعامل حاسم في تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام. غير أن ما نشهده في بعض المنصات الإعلامية المصرية يطرح تساؤلًا مشروعًا: لماذا يبدو الخطاب أحيانًا منفصلًا عن الواقع السياسي والاقتصادي، بل ومتناقضًا مع عمق العلاقات التاريخية بين مصر ودول الخليج؟
لقد شكّلت دول الخليج، وعلى مدى عقود، أحد أهم الداعمين للاقتصاد المصري، سواء عبر الاستثمارات الضخمة أو المساعدات المالية أو استيعاب ملايين العمالة المصرية، التي ساهمت تحويلاتها في دعم الاقتصاد الوطني. هذه العلاقة لم تكن مجرد تبادل مصالح، بل شراكة استراتيجية قائمة على المصير المشترك.
وتكشف الأرقام عن عمق هذا الترابط؛ إذ يُقدَّر عدد المصريين العاملين في دول الخليج بنحو 7 إلى 8 ملايين، تستحوذ السعودية وحدها على أكثر من ثلثهم، تليها الإمارات والكويت وقطر. وتمثل هذه العمالة ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد المصري من خلال التحويلات المالية، فضلًا عن دورها كجسر بشري يعزز العلاقات بين الشعوب.
ورغم ذلك، يظهر في بعض التغطيات الإعلامية خطاب يميل إلى الإشادة بإيران في سياق الصراعات الإقليمية، متجاهلًا حجم التهديدات التي تواجهها دول الخليج، خاصة في ظل الهجمات التي تستهدف منشآتها الحيوية وأمنها الداخلي. هذا التناول لا يُفهم خليجيًا إلا باعتباره تجاهلًا لمعاناة مباشرة، أو حتى تبريرًا غير مقبول لسياسات توسعية تُهدد استقرار المنطقة العربية بأكملها.
أولًا، البحث عن الإثارة والتأثير؛ إذ تميل بعض البرامج إلى تضخيم مواقف أو تبني زوايا حادة لجذب المشاهدين، حتى لو كان ذلك على حساب التوازن والدقة.
ثانيًا، غياب التنسيق بين الرسالة الإعلامية والمصالح الاستراتيجية؛ فليس كل ما يُطرح إعلاميًا يعكس بالضرورة رؤية سياسية مدروسة، ما يخلق فجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع الدبلوماسي.
ثالثًا، الخلط بين تحليل القوة والانحياز السياسي؛ فمحاولة قراءة قدرات إيران أو إبراز بعض نجاحاتها العسكرية قد تتحول – دون قصد – إلى خطاب يبدو وكأنه تأييد، خاصة عندما يغيب التوازن في عرض الصورة الكاملة.
رابعًا، تراجع الحساسية الإقليمية؛ حيث لا يتم تقدير كيف يمكن أن تُستقبل الرسائل إعلاميًا في دول شريكة، مثل دول الخليج، التي ترى في هذا الخطاب مساسًا مباشرًا بأمنها.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في مضمون الرسالة الإعلامية فقط، بل في أثرها التراكمي على الجمهور. فالإعلام لا يوجّه رسائله للحكومات فحسب، بل إلى الشعوب أيضًا. وعندما يشعر المواطن الخليجي بأن معاناته تُهمل أو أن التهديدات التي تواجه دوله تُقلَّل من شأنها، ينعكس ذلك سلبًا على صورة مصر ومكانتها في المنطقة العربية. وتفاقم هذا التأثير مع تصاعد الانتقادات من شخصيات بارزة في الخليج العربي لموقف الإعلام المصري الذي بدا وكأنه يدعم إيران في ضرباتها العسكرية ضد دول الخليج، رغم أن مراجعة التاريخ تؤكد أن إيران لم تقدّم لمصر دعمًا يضاهي ما قدمته دول الخليج على مرّ الزمن.
كما أن استمرار هذا النمط من الخطاب قد ينعكس – ولو بشكل غير مباشر – على مناخ الثقة، وهو عنصر أساسي في استدامة الاستثمارات والتعاون الاقتصادي. فالعلاقات الدولية لا تُبنى فقط على المصالح، بل أيضًا على الصورة الذهنية والانطباعات المتبادلة.
ختامًا، ما يحتاجه الإعلام المصري اليوم ليس رفع سقف الخطاب أو البحث عن مواقف صادمة، بل استعادة التوازن والمسؤولية. فالكلمة في زمن الأزمات قد تبني تحالفات أو تهدمها، والإعلام الذي لا يدرك حساسية اللحظة قد يتحول – دون أن يقصد – إلى عبء على مصالح بلاده، بدلًا من أن يكون داعمًا لها.
إن استعادة البوصلة الإعلامية ليست ترفًا، بل ضرورة لحماية المصالح الوطنية، والحفاظ على عمق مصر العربي، وتعزيز ثقة الشعوب التي كانت – ولا تزال – ترى في مصر سندًا لا غنى عنه.
إرسال تعليق